السيد محمد تقي المدرسي

244

من هدى القرآن

يقلع ، قال تعالى : « مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ » [ إبراهيم : 43 ] ، والأقرب هنا أن الإهطاع إسراع في ذل ، يقال : استهطع البعير في سيره أسرع ، وناقة هطعى : سريعة . ويدل على ذلك قوله تعالى : « خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ ( 7 ) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ » [ القمر : 7 - 8 ] أي مسرعين في إجابة داعي الله منكِّسي رؤوسهم أمامه ] . والآية تستنكر على الكفار بالرسالة مسارعتهم في الفرار من دعوة الرسول صلى الله عليه وآله ، كأنهم قطيع بعير شاردة ، أو كما وصفهم تعالى حال إعراضهم عن التذكرة : « كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ( 50 ) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ » [ المدثر : 50 - 51 ] ، حيث لا يثبتون قِبَل الرسول الذي يحمل إليهم منهج الفلاح والعزة في الدنيا والآخرة ، ولا يعلمون أنهم بذلك الإسراع في الفرار إنما يسارعون في الذل والفشل ، وليس كما يزعمون مسارعة في الخير ، وهذا ما يعاينونه في الآخرة « يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ( 43 ) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ » ، وهاتان الآيتان بيان واضح لمعنى الإهطاع أنه الإسراع . ( 37 - 39 ) ولا يفر الكافرون قِبَل الرسول في صف منتظم واحد ، بل في صفوف مختلفة ، وذلك لأن المسارعة في الفرار من الحق موقف مبدئي اجتماعي سياسي يتخذه المهطعون لعوامل متفاوتة بينهم ، مما يجعل مواقفهم التابعة للأهواء مختلفة ، فمن مُشرِّق ومن مُغَرِّب كما يقول الله ويصف القرآن : « عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ عِزِينَ » أي متفرقين جماعات كل ينتسب إلى جماعة مختلفة . وأصل العَزْيُ من النسبة ، يقال : تعزَّى إليه يعني انتسب ، والعِزْيَة : الانتساب ، قال الأزهري : عزا فلان نفسه إلى بني فلان ، يعزوها عزوا ، إذا انتمى إليهم ، والاسم العزوة . وكأن العزوة كل جماعة اعتزاؤها ( وانتسابها ) إلى أمر واحد ] « 1 » . ولقد رأينا كيف أن الانحراف عن الرسالة صيَّر الناس مذاهب وطوائف ، في حين أن الرسالة لو استجابوا لها لكانت تجمعهم أمة واحدة قوية وعزيزة . . إلا إنهم مزَّقوا أنفسهم بالضلال عن هداها كل ممزق فصاروا إلى الضعف والذل . وفي الروايات إشارة من رسول الله صلى الله عليه وآله إلى معنى « عِزِينَ » على أنه التفرق جماعات ومذاهب ، فعن جابر بن سمرة قال : دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وآله المسجد ونحن خلق متفرقون فقال : مَا لِي أَرَاكُم عِزِيْنَ ؟ أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ المَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا ؟ قالوا : وكيف تصف الملائكة عند ربها ؟ قال : يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأَوَّلَ وَيَتَرَاصُونَ في الصَّفِّ ] « 2 » . والتفرق نتيجة طبيعية للكفر بالله والرسالة ، لأن الإيمان يجمع الناس على محور واحد هو محور الحق ، أما الكفر فإنه يتخذ

--> ( 1 ) التفسير الكبير للرازي : ج 30 ، ص 132 . ( 2 ) تفسير البصائر : ج 49 ، ص 124 .